أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

483

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ : في هذه الباء ثلاثة أوجه : أحدها : أنها زائدة في المفعول به لأن « ألقى » يتعدّى بنفسه ، قال تعالى : فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ « 1 » ، وقال : 874 - حتى إذا ألقت يدا في كافر * وأجنّ عورات الثغور ظلامها « 2 » فزيدت الباء في المفعول كما زيدت في قوله : 875 - وألقى بكفّيه الفتى استكانة * من الجوع وهنا ما يمرّ وما يحلو « 3 » وهذا قول أبي عبيدة ، وإليه ميل الزمخشري ، قال : « والمعنى : ولا تقبضوا التهلكة أيديكم ؛ أي : لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم » إلا أنه مردود بأنّ زيادة الباء في المفعول لا تنقاس ، إنما جاءت في الضرورة كقوله : 876 - . . . * سود المحاجر لا يقرأن بالسّور « 4 » الثاني : أنها متعلقة بالفعل غير زائدة ، والمفعول محذوف ، تقديره : ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم ، ويكون معناها السبب كقولك : لا تفسد حالك برأيك . الثالث : أن يضمّن « ألقى » معنى ما يتعدّى بالباء ، فيعدّى تعديته ، فيكون المفعول به في الحقيقة هو المجرور بالباء تقديره : ولا تفضوا بأيديكم إلى التهلكة ، كقولك : أفضيت بجنبي إلى الأرض أي : طرحته على الأرض ، ويكون قد عبّر بالأيدي عن الأنفس ، لأنّ بها البطش والحركة ، وظاهر كلام أبي البقاء فيما حكاه عن المبرد أن « ألقى » يتعدّى بالباء أصلا من غير تضمين ، فإنه قال : « وقال المبرد : ليست بزائدة بل هي متعلقة بالفعل كمررت بزيد والأولى حمله على ما ذكرت » . والتّهلكة : مصدر بمعنى الهلاك ، يقال : هلك يهلك هلكا وهلاكا وهلكاء على وزن فعلاء ومهلكا ومهلكة مثلث العين وتهلكة . وقال الزمخشري : « ويجوز أن يقال : أصلها التّهلكة بكسر اللام كالتّجربة ، على أنه مصدر من هلّك - يعني بتشديد اللام - فأبدلت الكسرة ضمة كالجوار والجوار » . وردّ عليه الشيخ « 5 » بأنّ فيه حملا على شاذ ودعوى إبدال لا دليل عليها ، وذلك أنه جعله تفعلة بالكسر مصدر فعّل بالتشديد ، ومصدره إذا كان صحيحا غير مهموز على تفعيل ، وتفعلة فيه شاذّ . وأمّا تنظيره له بالجوار والجوار فليس بشيء ، لأن الضمّ فيه شاذّ ، فالأولى أن يقال : إنّ الضمّ أصل غير مبدل من كسر . وقد حكى سيبويه ممّا جاء من المصادر على ذلك التّضرّة والتّسرّة . قال ابن عطية : « وقرأ الخليل التّهلكة بكسر اللام وهي تفعلة من هلّك بتشديد اللام » وهذا يقوّي قول الزمخشري .

--> ( 1 ) سورة الشعراء ، آية ( 45 ) . ( 2 ) البيت للبيد انظر ديوانه ( 316 ) ، وهو من شواهد البحر ( 2 / 71 ) . ( 3 ) البيت من شواهد البحر ( 2 / 71 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 59 ) .